تَفْسِيرُ آيَاتٍ قُرآنِيَّةٍ المُحكَمات والمُتَشابِهات: معنى استوى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الأمين وبعد،

فليُعلم أن القرآن الكريم فيه آياتٌ محكمات وآياتٌ مُتَشابِهات. قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ﴾ [سورة آل عمران آية 7] أي ابتغاء التأويل الفاسد المخالف للآيات المُحكمات ولقواعد الشريعة.

الآيات المحكَمة هي ما عُرِف بوُضوح المعنى المرادِ منه كقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ ﴾ [سورة الشورى آية 11].

وأما المتشابِه فهو ما احتمل أوجُهاً عديدة واحتاج إلى النظر لحمله على الوجه المطابق. فلا يجوز أن يفسِّر إنسانٌ القرآن برأيه بلْ يسأل أهل المعرفة حتى لا يقع في التشبيه المُهْلِك. فيجب ردّ تفسير الآيات المتشابِهة إلى الآيات المحكمة.

قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة النحل آية 43] وقال رسول الله صلى الله وسلم: « القرآن إما حجة لك أم عليك » رواه مسلم.

تفسير معنى الفَوْقِيّة في حق الله

وبالمناسبة نورد بعض الآيات المتشابِهة ونذكر تفسيرها الذي يوافق الآيات المحكمة.

- قال المفسِّر شمس الدِين القرطبيُّ (ت 671هـ) في تفسيره ما نَصُّه: "ومعنى ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فوقيّةُ الاستِعلاء بالقَهْر والغَلَبَةِ عَلَيهم، أي هم تحت تَسْخِيرِه، لا فَوقِيّةُ مكانٍ، كما تقول: السلطان فوق رَعِيَّتِه أي بالْمَنْزِلَةِ والرِفْعَةِ. وفي القهر" انتهى.

- قال المفسِّرُ اللُغَويُّ أبو زيدٍ الثَعالِبيُّ (ت 875هـ) في تفسير "قوله تعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [الأَنْعام: 61] ما نَصُّه: "يُريدُ فَوقِيّةَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ" انتهى.

- قال الحافظُ جلال الدين السيوطيُّ (ت 911هـ) في "الإتقان في علوم القرآن" ما نصُّه: "وَمِنْ ذَلِكَ صِفَةُ الْفَوْقِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِهَا الْعُلُوُّ مِنْ غَيْرِ جِهَةٍ، وَقَدْ قَالَ: فِرْعَوْنُ: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْعُلُوَّ الْمَكَانِيَّ" انتهى.

قال الله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [سورة فاطر]. فالمقصود بكلمة " إليه " أي إلى محلّ كرامته وهو السّماء، فهذا مطابقٌ ومنسجمٌ مع الآية المحكمة: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ ﴾ وهو تفسيرٌ صحيحٌ ليس فيه تشبيهٌ لله بِخَلْقِهِ.

تفسير آية الرَّحْمَـنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى

ويجوز أن يُقال في قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَـنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [سورة طه] أي قهرَ وحفِظَ وأبقى العرش، والفائدة من ذلك أن يُعْلَم أن الله مسيطرٌ على كلّ المخلوقات لأن العرش أكبر المخلوقات حَجْمًا. ولا يجوز تفسير الآية المتشابِهة على معنى لا يليق بالله عزَّ وجلَّ. فلا يجوز أن يقال استوى أي جلس لأن الجلوسَ لا يكون إلا من ذي أعضاء والأعضاء مستحيلةٌ على الله.

يقولُ الإمام عليٌ رضي الله عنه: « كَانَ اللَّهُ وَلاَ مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ ». ويقول أيضاً في تنـزيه الله عن الجلوس: « إنَّ الله خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذهُ مَكَاناً لِذَاتِهِ »، رواه أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق. الله خلق العرش وسائر المخلوقات وكان موجودا قبلها ولا يحتاج إليها، فهو غني عن العالمين. فمن نسب إلى الله الاحتياج أو الاستقرار أو الجهة أو المكان، فقد كفر.

وقال الحافظ أحمد بن سلامة الطحاوي في عقيدته التي حكى فيها عقيدة السلف: « تعالى (يعني الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات »، وقال: « ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر »، وهذا بيّنٌ ظاهر لمن كان له مُسْكة من العقل.

يقولُ حسن البنّا في كتابِ العقائدِ الأسلاميَّةِ: « السَّلفُ والخلفُ ليس بينهم خلافٌ على أنه لا يجوزُ حملُ ءايةِ الاستواءِ على المعنى المتبادرِ » وهذا الكلام من جواهِرِ العلمِ.

ءاية الاستواءَ تُحملُ على القهرِ، أو يُقالُ استوى استواءً يليقُ به، أو يقال: ﴿ الرَّحْمَـنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ﴾ بلا كيف، أما من أرادَ التأويلَ التفصيليَ فيقولُ قَهَرَ ويجوزُ أن يقولَ استولى. فَيَجِبُ تَركُ الحَملِ على الَظاهِر بَل يُحَملُ على مَحْملٍ مُستَقيمٍ في العُقُولِ فتُحمَلُ لفظَةُ الاستِواءِ على القَهرِ ففي لُغَةِ العَرَبِ يُقالُ استَوى فُلانٌ على المَمَالِكِ إذا احتَوَى على مَقَالِيدِ المُلكِ واستَعلى على الرقَابِ. ومعنى: « واستعلى على الرقَابِ » أي استولى على الأشخاصِ أي على أهل البلدِ.

وليُعلَم أن الاستواءَ في لغةِ العربِ له خمسة عشرَ معنًى كما قالَ الحافظُ أبو بكر بن العربيّ ومن معانيهِ: الاستقرارُ والتَّمامُ والاعتدَال والاستعلاءُ والعلوُّ والاستيلاءُ وغير ذلك، ثم هذه المعاني بعضُها تليقُ بالله وبعضُها لا تليقُ بالله. فما كان من صفات الأجسام فلا يليق بالله.

وقد ذَكَرَ الإمامُ أبو منصورٍ الماتريديُّ في تأويلاتِهِ في قولِهِ تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ﴾ [سورة الأعراف] يقولُ: « أي وقد استوى »، ومعناهُ أنَّ الله كانَ مستويًا على العرشِ قبلَ وجودِ السمواتِ والأرضِ، وبعضُ الناس يتوهَّم من كلمة (ثم) أن الله استوى على العرشِ بعد أن لم يكن يظنُّونَ أن ثُمَّ دائمًا للتأخُّر، ويصحُّ في اللُّغة أن يقالَ أنا أعطيتُكَ يوم كذا كذا وكذا ثم إني أعطيتُكَ قبلَ ذلك كذا وكذا، فإن (ثم) ليست دائمًا للتَّأخُّرِ في الزَّمن، أحيانًا تأتي لذلكَ وأحيانًا تأتي لغيرِ ذلك، قال الشَّاعر: إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أبُوهُ ثُمّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ.

ويُروى عن أمّ سلمةَ إحدى زوجاتِ الرّسولِ ويروى عن سفيانَ بنِ عيينةَ ويروى عن مالكِ بن أنسٍ أنهم فسَّروا استواء الله على عرشِهِ بقولهم: الاستواءُ معلومٌ ولا يقالُ كيفٌ والكيفُ غيرُ معقولٍ. ومعنى قولهم: (الاستواء معلومٌ) معناهُ معلومٌ ورودُهُ في القرآنِ أي بأنه مستوٍ على عرشِهِ استواءً يليقُ به، ومعنى: (والكيفُ غير معقولٍ) أي الشَّكلُ والهيئةُ والجلوسُ والاستقرارُ هذا غير معقولٍ أي لا يقبلُهُ العقلُ ولا تجوزُ على الله لأنها من صفات الأجسام، وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه عن الاستواء فقال : « استوى كما أخبَرَ لا كما يَخطُرُ للبشرِ ».

فخر الدين الرّازي سورة الأعراف: معنى الاستواء والكفر

قال الإمام المفسِّر فخر الدين الرازي (ت 606هـ) في تفسيره (سورة الأعراف): أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ كَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ وُجُوهٌ عَقْلِيَّةٌ ، وَوُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ...

أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَأُمُورٌ :

أَوَّلُهَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْعَرْشَ مُتَنَاهِيًا وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ الْعَرْشِ دَاخِلًا فِي ذَاتِهِ وَهُوَ مُحَالٌ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مُتَنَاهِيًا فَإِنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَصِيرَ أَزْيَدَ مِنْهُ أَوْ أَنْقَصَ مِنْهُ بِذَرَّةٍ ، وَالْعِلْمُ بِهَذَا الْجَوَازِ ضَرُورِيٌّ ، فَلَوْ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى مُتَنَاهِيًا مِنْ بَعْضِ الْجَوَانِبِ لَكَانَتْ ذَاتُهُ قَابِلَةً لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْدَثٌ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْعَرْشَ مُتَنَاهِيًا ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُحْدَثًا وَهَذَا مُحَالٌ فَكَوْنُهُ عَلَى الْعَرْشِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُحَالًا.

أَمَّا الدَّلَائِلُ السَّمْعِيَّةُ فَكَثِيرَةٌ :

أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) [الْإِخْلَاصِ : 1] فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ أَحَدًا، وَالْأَحَدُ مُبَالَغَةٌ فِي كَوْنِهِ وَاحِدًا. وَالَّذِي يَمْتَلِئُ مِنْهُ الْعَرْشُ وَيَفْضُلُ عَنِ الْعَرْشِ يَكُونُ مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا فَوْقَ أَجْزَاءِ الْعَرْشِ ، وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ أَحَدًا

وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) [الْحَاقَّةِ : 17] فَلَوْ كَانَ إِلَهُ الْعَالَمِ فِي الْعَرْشِ، لَكَانَ حَامِلُ الْعَرْشِ حَامِلًا لِلْإِلَهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ مَحْمُولًا حَامِلًا، وَمَحْفُوظًا حَافِظًا، وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ( وَاللَّهُ الْغَنِيُّ ) [مُحَمَّدٍ : 38] حَكَمَ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعَالَى غَنِيًّا عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا طَلَبَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِ تَعَالَى مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَزِدْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذِكْرِ صِفَةِ الْخَلَّاقِيَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: ( وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [الشُّعَرَاءِ : 23] فَفِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَالَ: ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) [الشُّعَرَاءِ : 24]، وَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ: ( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) [الشُّعَرَاءِ : 26]، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ قَالَ: ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) [الشُّعَرَاءِ : 28] وَكُلُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْخَلَّاقِيَّةِ، وَأَمَّا فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ قَالَ: ( يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) [غَافِرٍ : 36 ، 37] فَطَلَبَ الْإِلَهَ فِي السَّمَاءِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ وَصْفَ الْإِلَهِ بِالْخَلَّاقِيَّةِ، وَعَدَمَ وَصْفِهِ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ دِينُ مُوسَى وَسَائِرِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَجَمِيعُ وَصْفِهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ دِينُ فِرْعَوْنَ وَإِخْوَانِهِ مِنَ الْكَفَرَةِ.

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) آيَةٌ مُحْكَمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَأْوِيلُهَا، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ : ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ ) [الْأَنْعَامِ : 3] ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ : ( قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ ) [الْأَنْعَامِ : 12] فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ فَهُوَ مِلْكٌ لِلَّهِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَكَذَا هَهُنَ.

فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) عَلَى الْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَشَغْلِ الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ، وَعِنْدَ هَذَا حَصَلَ لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ مَذْهَبَانِ :

الْأَوَّلُ: أَنْ نَقْطَعَ بِكَوْنِهِ تَعَالَى مُتَعَالِيًا عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَلَا نَخُوضَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ، .... وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ نَخُوضَ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ.

لا يوجد رواية صحيحة مسندة عن الإمام مالك فيها لفظ “والكيف مجهول” في تفسير آية الاستواء.

الثابت عن إمام الأئمة مالك رضي الله عنه ثلاث عبارات، واحدة رواها الترمذي “بلا كيف”، والأخريان رواهما البيهقي وذكرهما ابن حجر في شرح البخاري إحداهما “وكيف عنه مرفوع”، والأخرى “والكيف غير معقول”. وكل هذه الروايات الصحيحة الثابتة تنفي عن الله الكيفية. ثبَت عن الإمامِ مالكٍ بإسنادٍ قويّ جيدٍ أنه قال في استواء الله : « استوى كما وَصَفَ نفسَهُ ولا يقالُ كيف وكيف عنه مرفوعٌ ».

من قال والكيف مجهول، إن أراد أن الله له كيفية وشكل وصورة لا نعرفها فهذا لم يعرف الله ولا هو عَبَد الله رب العالمين، أما إن كان يفهم أن الاستواء لا أعرف تفسيره وأتوقف عن تفسيره لا أعرف حقيقته، فهنا نقول له توقف عن نقل هذه العبارة فإنه لا سند لك فيها إلى مالك رضي الله عنه والإسناد من الدين كما قال العلماء، ولا يكفي أنك رأيتها في كتاب ما فإن كثيرا من الكتب دخلها التحريف. والكيف كل ما كان من صفات المخلوقين كالشكل والهيئة والصورة والكون في جهة أو مكان. ثم إن بعض الناس يستعملون الكيف بمعنى الحقيقة أي نحن لا نعرف حقيقة الله، فالعبارة الواضحة والصحيحة أن يقال: لا يعلم حقيقة الله إلا الله.

Islam.ms - جلال الدين السيوطي (911هـ) في كتابه الإتقان في علوم القرآن: الآيات المتشابهة Islam.ms - جلال الدين السيوطي (911هـ) في كتابه الإتقان في علوم القرآن: الآيات المتشابهة

قال عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ) في كتابه الإتقان في علوم القرآن: أَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ في السنن عَنْ طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالت: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْإِقْرَارُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْجُحُودُ بِهِ كُفْرٌ.

وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ.

وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْآيَةِ فَقَالَ: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَلَا يقال: كيف وكيف مَرْفُوعٌ.

استواء الله على العرش فقد ورد قرءانًا في ستة مواضع في سورة الأعراف ويونس والرعد والسجدة والفرقان والحديد وفي سابعها طه بقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ولم يرد في القرءان إطلاقا الجلوس على الله فلا يجوز أن يقال إنه جالس على العرش لا كجلوسنا لأن الجلوس لا يطلق إلا كصفة للجسم.

ثم إن القرءان نزل بلغة العرب ومعاني كلامهم وما كانوا يتعقلونه في خطابهم، فالاستواء في لغة العرب له خمسة عشر معنى كما قال الحافظ أبو بكر بن العربي في العارضة ما نصه [وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية ومنها ما لا يجوز على الله بحال وهو إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار].

وفي كتاب المفردات في غريب القرءان للشيخ الراغب الأصفهاني ما نصه [واستوى يقال على وجهين: أحدهما: يسند إليه فاعلان فصاعدا نحو استوى زيد وعمرو في كذا أي تساويا قال تعالى {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ}. والثاني: أن يقال لاعتدال الشىء نحو قوله تعالى {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} ومتى عدي ب [على] اقتضى الاستيلاء كقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقيل معناه استوى له ما في السموات وما في الأرض أي استقام الكل على مراده بتسوية الله إياه كقوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ} وقيل معناه استوى كل شىء في النسبة إليه فلا شئ أقرب إليه من شئ إذ الله تعالى ليس كالأجسام الحالَّة في مكان دون مكان].اه

ثم إن السلف والخلف متفقون على أن ظواهر الآيات والأحاديث التي ظاهرها نسبة الحيز والجهة والجسمية محال على الله وذلك لأنه لو كان الله في جهة من الجهات لكان له أمثال والله تعالى يقول {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} ويقول أيضا {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} أي الوصف الذي لا يُشبه وصف غيره.

قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في مناهل العرفان في علوم القرءان [اتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شئ منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقال {وهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا، ثم اختلف السلف والخلف فرأى السلفيون أن يفوضوا تعيين معنى الاستواء إلى الله هو أعلم بما نسبه إلى نفسه وأعلم بما يليق به ولا دليل عندهم على هذا التعيين ورأى الخلف أن يؤولوا لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب الله عباده بما لا يفهمون، وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل وجب التأويل، بَيْد أنهم افترقوا في هذا التأويل فرقتين فطائفة الأشاعرة يؤولون من غير تعيين ويقولون إن المراد إثبات أنه تعالى متصف بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين تسمى صفة الاستواء، وطائفة المتأخرين يعينون فيقولون إن المراد بالاستواء هنا الاستيلاء والقهر من غير معاناة ولا تكلف لأن اللغة تتسع لهذا المعنى ومنه قول الشاعر العربي: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق ،أي استوى وقهر أو دبر وحكم، فكذلك يكون معنى النص الكريم الرحمن استولى على عرش العالم وحَكم العالم بقدرته ودبّرَه بمشيئته].اه

ونقل زاهد الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات قال [قال المحدث ابن المعلم في نجم المهتدي ما نصه: اعلم أرشدنا الله وإيَّاك أن العلماء انقسموا في تأويل {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قسمين: فريق أوَّل التركيب وفريقٌ أوَّل الإفراد، وهؤلاء على قِسمين قسمٌ أوَّل استوى وقِسمٌ أوَّل العرش، ثم سرد ابن المعلم تلك المعاني الخمسة عشر عازيا كل معنى منها إلى قائله من الأئمة كالأشعري وأبي منصور وأبي إسحاق الاسفرايني وعبد القاهر التميمي وأبي جعفر السمناني وإمام الحرمين وغيرهم وتلك المعاني نحو الملك واستئثار الملك، واستواء الحكم، والاستيلاء المجرد عن معنى  المغالبة والاقبال، والإتقان، وعلو العظمة والعزة، وعلو القهر والغلبة، إلى غير ذلك من المعاني المذكورة في الجزء الخامس من نجم المهتدي. ثم قال ابن المعلم: فقد ظهر لكم أيدكم الله هذه التأويلات فأيها تَرجَّح عندكم فاحملوا اللفظَ عليه فإن الظاهرَ منفيٌّ بإجماع علماء السنة، فلله الحمد على اتباعهم]. اه

وقال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شئ من خلقه و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى].اه

وقال القرطبي في قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وإجراء وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه البارئ سبحانه عن الجهة والحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم أي أهل السنة والجماعة لأنه يلزم من ذلك عندهم متى ما اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز والتغير والحدوث. وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال علا وقال الشاعر: فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي علا وارتفع. قلت: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه لكنه العلي بالإطلاق سبحانه].اه

قال الإمام الغزالي في الإحياء: [الأصل الثامن] [العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرءان {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء، واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} إذ حَمْلُ ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم وحَمْلُ قوله صلى الله عليه وسلم: المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن على القدرة والقهر وحَمْلُ قوله صلى الله عليه وسلم: الحجر الأسود يمين الله في أرضه على التشريف والإكرام لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال. فكذا الاستواء لو ترك على الإستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسما مماسا للعرش إما مثله أو أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال].اه

قال الإمام أبو نصر القشيري في التذكرة الشرقية فيما نقله الحافظ الزبيدي: [فإن قيل أليس الله يقول {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فيجب الأخذ بظاهره؟ قلنا الله يقول أيضا {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ويقول تعالى {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} فينبغي أيضا أن تأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون على العرش وعندنا ومعنا ومحيطا بالعالم محدقا به بالذات والواحد يستحيل أن يكون بذاته في حالة بكل مكان قالوا قوله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ} يعني بالعلم و {بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} إحاطة العلم قلنا وقوله تعالى {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قهر وحفظ وأبقى].

وقال الإمام محمد أحمد الشنقيطي في الفتح الرباني وهو شرح على نظم الرسالة [{عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فالاستواء معلوم من كتاب الله والكيف غير معقول والإيمان والتفويض والتسليم وتنزيه الله عن صفات الحوادث واجب والسؤال عنه وعن المشابه والخوض فيهما بدعة لأن العجز عن إدراك حقيقة ذاته إيمان وإدراك، والخوض فيهما هلاك فالله جلَّ شأنه خلق الزمان والمكان والكائنات ولم يفتقر إلى شىء منها وكلها مفتقرة إليه وهو على ما عليه كان].اه

وفي حاشية الشيخ زين الدين قاسم على المسايرة [ولما قالت الكرامية إن الله في جهة الفوق من غير استقرار على العرش وقالت المشبهة والمجسمة بالاستقرار على العرش وتعلقوا بقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أجاب أهل الحق بأن الاستواء مشترك بين معان والعرش مشترك أيضا بين السرير والملك، قال القائل إذا ما بنو مروان زالت عروشهم ومع الإشتراك لا يكون حجة والمعنى الأليق الإستيلاء فيحمل عليه من غير قطع بأنه المراد].اه

وفي كتاب ردود على أباطيل للشيخ محمد الحامد ما نصه [أما أن يكون جالسا في السماء جلوس الإنسان أو مستويا على العرش كاستواء الملك على سرير ملكه فلا وأنه زيغ وضلال وخسران مبين {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} وإن استواء الله على عرشه يجري فيه المذهبان للسلف والخلف: فالسلف يُفوّضون معناه إلى الله تعالى مع التنزيه، والخلف يؤولونه بالاستيلاء على العرش وهو أعظم المكونات فهو إذا مستول على غيره بالأولى من غير استعصاء سابق لا من العرش ولا من غيره].اه

وأسند البيهقي في كتابه الإعتقاد والهداية بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال [كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه. قال الشيخ: وإنما أراد والله أعلم فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف، وتكييفه يقتضي تشبيها له بخلقه في أوصاف الحدث].اه وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ومن طريق أبي بكر الضبعي قال [مذهب أهل السنة في قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال بلا كيف والآثار فيه عن السلف كثيرة وهذه طريقة الشافعي وأحمد ابن حنبل].اه

قال الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد [وكذلك قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه لما سئل عن ذلك: ءامنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال: "استوى كما أخبر، لا كما يخطر للبشر". وقال الإمام ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام "من زعم أن الله في شىء، أو من شىء، أو على شىء، فقد أشرك! إذ لو كان على شىء لكان محمولا، ولو كان في شىء لكان محصورا، ولو كان من شىء لكان محدثا"]. اه

وفي كتاب الإنصاف للباقلاني [وأنَّ الله جلَّ ثناؤه مستو على العرش ومستو على جميع خلقه كما قال تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بغير مماسة وكيفية، ولا مجاورة وأنه في السماء إله وفي الأرض إله كما أخبر بذلك. ثم قال، وقد سئل الشبلي عن قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فقال: الرحمن لم يزل ولا يزول، والعرش محدث، والعرش بالرحمن استوى].اه

وقد قال بعض أصحابنا [إن الاستواء صفة الله تعالى بنفي الاعوجاج عنه].اه وقد قال مصباح التوحيد ومصباح التفريد الإمام علي بن أبي طالب فيما رواه عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق [إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته].اه

قال الإمام البيهقي في الاعتقاد [ويجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماثلة لشىء من خلقه، لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين، بائن من جميع خلقه، وأن اتيانه ليس باتيان من مكان الى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفهمه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها، ونفينا عنها التكييف فقد قال {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقال {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} وقال {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}].اه

قال المحدِّث الكوثري [ومعنى [بائن من خلقه] بمعنى أنه غير ممازج للخلق لا بمعنى أنه متباعد عن الخلق بالمسافة، تعالى الله عن القرب والبعد الحسيين، والبينونة الحسية].اه

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام المالكي سلطان العلماء في عقيدته [استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال].اه

وقال الحافظ ابن حجر [وليس قولنا إن الله على العرش أي مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته بل هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا به ونفينا عنه التكييف إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وبالله التوفيق].اه

وقال أبو سعيد المتولي في الغنية ردا على من فسر الاستواء بالاستقرار [فإن قيل الاستواء إذا كان بمعنى القهر والغلبة يقتضي منازعة سابقة وذلك محال في وصفه، قلنا والاستواء بمعنى الاستقرار يقتضي سبق الاضطراب والاعوجاج وذلك محال في حقه].اه

وقال القاضي أبو بكر بن العربي قال [إنَّ لكلمة استوى أكثر من خمسة عشر معنى فمن فسر استوى بالاستيلاء والقهر جاء بما يوافق لغة العرب ولم يأت بما يخالف لغة العرب ولا الشريعة المطهرة].اه

وقال الشيخ محي الدين محمد بن بهاء الدين الحنفي في كتابه القول الفصل في شرح الفقه الأكبر [ومنها الاستواء بدلالة قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقال الأكثرون هو الاستيلاء فيؤول إلى القدرة].اه

وقال أبو الحسن الصغير في كفاية الطالب الرباني في قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [فمعنى استوائه على عرشه أن الله تعالى استولى عليه استيلاء ملك قادر قاهر ومن استولى على أعظم الأشياء كان ما دونه في ضمنه ومنطويا تحته، وقيل الاستواء بمعنى العلو أي علو مرتبة ومكانة لا علو مكان].اه

وفي تفسير النسفي عند قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [استولى، عن الزجاج ونبه بذكر العرش وهو أعظم المخلوقات على غيره وقيل لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يرادف الملك جعلوه كناية عن الملك فقال استوى فلان على العرش أي ملك وإن لم يقعد على السرير البتة وهذا كقولك يد فلان مبسوطة أي جواد وإن لم يكن له يد رأسا والمذهب قول علي رضي الله عنه: الاستواء غير مجهول والتكييف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة لأنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان].ا ه

قال الإمام تاج الدين محمد بن هبة الله المكي الحموي في حدائق الفصول وجواهر الأصول في علم الكلام على أصول أبي الحسن الأشعري [قد [استوى] اللهُ[على العرشِ كما شاء] وَمَنْ كَيَّفَ ذاكَ جَسما والاستواءُ لفْظة مشهورَةْ لها معان جَمةً كثيرة فنَكِلُ الأمرَ إلى الله كما فوَّضهُ مَنْ قبلَنَا مِنْ عُلَما].اه وفي الحديقة الندية [فالاستواء في قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ليس معناه أن استواء الله تعالى كاستواء الأجسام لأنه تعالى ليس بجسم بل استواء يليق به تعالى وبكمال تنزيهه عن مشابهة كل شىء].اه

وأما قول الله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير فيه مسائل [المسألة الأولى: الاستواء في لغة العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الاعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام فالله تعالى يجب أن يكون منزها عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى} يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلا أولا ولو كان حاصلا أولا لما كان متأخرا عن خلق ما في الأرض لكن قوله {ثُمَّ اسْتَوَى} يقتضي التراخي ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن معنى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} أي خلق بعد خلق الأرض السماء].اهـ

ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية [أنه يقال استوى بمعنى ارتفع قال البيهقي في الأسماء والصفات ومراده من ذلك ارتفاع أمره وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء].اه

قال أبو الحسن الأشعري [وقد نقل الاجماع على إحالة كونه في جهة الفقيه المالكي محمد بن أحمد ميارة في كتابه الدر الثمين حيث قال: وأما الإجماع فأجمع أهل الحق قاطبة على أن الله لا جهة له فلا فوق ولا تحت ولا شمال ولا خلف].اه

وليُعلَم أن الله تعالى خالقُ الروح والجسد فليس روحاً ولا جسداً.

وأما إضافة الله تعالى روحَ عيسى إلى نفسه فهو على معنى المِلك والتشريف، لا على معنى الجزئية. فقوله تعالى: ﴿ فَنَفْخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنا ﴾ [سورة التحريم] معناه أن الله أمر الملَكَ جبريل أن ينفخ في مريم رُوحَ عيسى التي هي مُشرّفة عنده ، لأن الأرواح قسمان : أرواحٌ مشرّفةٌ وأرواحٌ خبيثةٌ ، وأرواح الأنبياء من القسم الأول. فإضافة روح عيسى وروح آدم إلى الله هي إضافة تشريف. ويقال مثل ذلك في قوله تعالى لإبراهيم وإسماعيل: ﴿ أَنْ طَهِّراَ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ ﴾ فالكعبة هي مكانٌ مشرّفٌ عند الله. أما قوله تعالى: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهمْ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ [سورة النحل] فالمقصود به فوقيّة القهر دون المكان والجهة.

ومعنى قوله تعالى في توبيخِ إبليسَ: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ [سورة ص] فَيَجُوزُ أن يُقَالَ المُرادُ بِاليَدَيْنِ العِنَايَةُ والحِفْظُ. ومعنى قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [سورة الفجر] جاء أمرُ ربِّك أي أثرٌ من آثار قدرتة حيث تظهر أهوالٌ عظيمة يوم القيامة.

ويقال في قول الله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ [سورة الحديد] إنّ الله عَالِمٌ بكم أينما كنتم.

وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿ وقِيلَ اليَومَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾ [سورة الجاثية] فقد ذُكرَ على وجهِ المقابلةِ ومعناهُ تَرَكناكُم من رحمتِنا كما أنتم تركتم طاعةَ الله في الدنيا بالإيمان به.

وكذلك قول الله تعالى: ﴿ إنَّ الله لا يَسْتَحْيِى أن يَّضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً ﴾ [سورة البقرة / 26]، ومعنى الآية أننا لا نترك استحياءً كما يترُكُ البشرُ الشىءَ استحياءً ، معناه أنَّ الله لا يُحِبُّ تركَ إظهارِ الحَقّ فلا يتركُهُ للاستحياءِ كما يفعلُ الخلقُ، وهذا مستحيلٌ على الله. فلا يجوزُ تسميةِ الله بالمستحيي.

وأما قولُهُ تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتىَّ نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ ﴾ [سورة محمد/31] فَلَيْسَ معنى ذلك أنّه سوف يعلم المجاهدين بعد أن لم يكن عالماً بِهم بالامتحانِ والاختبار، وهذا يستحيلُ على الله تَعَالَى، بل معنى الآيةِ حتى نُمَيِّزَ أي حتىَّ نُظْهِرَ للعباد المجاهدين منكم والصابرين من غيرهم. ويكفر من يقول إن الله تعالى يكتسب علماً جديداً.

وقوَل الله تبارك وتعالى: ﴿ الله نُورُ السَّمَـوَاتِ وَالأرْضِ ﴾ [سورة النور] معناه أن الله هادي أهل السموات والمؤمنين من أهل الأرض لنور الإيمان. فالله تعالى ليس نورًا بمعنى الضوء بل هو الذي خلقَ النور. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ أي خلق الظلمات والنور فكيف يمكن أن يكون نوراً كخلقه ؟! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فلا يجوز اعتقاد أنَّ الله ذو لونٍ أو ذو شكلٍ. وأمّا ما ورد في الحديث أن الله جميلٌ فليس معناه جميل الشكل وإنما معناه جميل الصفات أومُحْسِن.

وأما النُّزُولُ المذكورُ في حديثِ: « يَنـزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا » فأحسنُ ما يُقالُ في ذلك هو نزولُ المَلَكِ بأمرِ الله فينادي مُبلغاً عن الله تلك الكلمات: « من ذا الذي يدعوني فأستجيبَ له من ذا الذي يستغفرني فأغفرَ له من الذي يسألني فأُعطيَهُ » فيمكثُ المَلَكُ في السماء الدنيا من الثلث الأخير إلى الفجر. أما من يقولُ ينـزلُ بلا كيفٍ فهو حقٌّ، لأنه لما قال بلا كيفٍ نفى الحركة والانتقال من عُلوٍ إلى سُفلٍ. والله تعالى غنيٌّ عن العالمين أي مستغنٍ عن كلّ ما سواه أزلاً وأبدًا وتفتقر إليه كلّ الكائنات. فلا يحتاج الله تعالى إلى مكانٍ يقوم به أو يحلّ به أو إلى جهةٍ، لأنه تعالى موجودٌ قبلَ المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه.

قوله تعالى: ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ [آية 3 سورة اﻷنعام] اختار البيهقي، معناه أنه المعبود في السماوات والأرض، مثل قوله تعالى: ﴿ وهو الّذي في السّماء إلهٌ وفي الأرض إله ﴾ [آية 84 سورة الزخرف] وهذا القول هو أصحّ الأقوال.

وقال الأشعري في الموجز: قوله تعالى: ﴿ وهو اللهُ في السّمواتِ وفي الأرضِ يعلمُ سرّكم وجهركم ويعلم ما تكسبون ﴾ [آية 3 سورة الأنعام] أي عالم بما فيهما. من البرهان في علوم القرآن (2|83) للحافظ بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المُتوفّى 772 هجرية رحمه الله تعالى الطبعة الأولى 1376 هجرية.

وليس المقصود بالمعراج الوصول بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكان ينتهي وجود الله تعالى إليه، إنما القصد من المعراج هو تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بإطلاعه على عجائب في العالم العلوي وتعظيم مكانته ، ورؤيته صلى الله عليه وسلم لله بفؤاده من غير أن يكون الله تعالى في مكان . قال سيّدنا الخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: « كَانَ الله وَلا مَكَان وهوَ الآنَ عَلَى ما عَليه كَان ».

وليس محورُ الاعتقاد على الوهم بل على ما يقتضيه العقلُ الصحيحُ السليمُ الَّذي هو شاهدٌ للشرع، ذلك لأنَّه لو كان لله تعالى مكانٌ لكانَ له مقدارٌ، أبعادٌ وحدودٌ ومن كان كذلك كان مُحْدَثاً أي مَخْلُوقًا ولم يكن إلهاً. وكما صحّ وُجودُ اللهِ تعالى بلا مكانٍ قَبل خَلق الأماكن والجِهاتِ، يَصِحُّ وجودُهُ بعد خَلْقِ الأماكنِ بلا مَكانٍ. وهذا لا يَكونُ نَفياً لوجودِهِ تعالى. قال الإمام ذو النُّون المصري: « مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بَبَالِكَ فَالَّلهُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ ».

عن عائشة رضي الله عنها قالت تـلا رسـول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ‌ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗ وَالرَّ‌اسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَ‌بِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ‌ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ قالت: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ». رواه البخاري.

معنى قوله تعالى: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}

قال الله تعالى في القرآن الكريم: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ } [النور آية 35]

قال الإمامُ أبو سليمان الخطابيُّ: ولا يجوزُ أن يُتوهمَ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى نورٌ من الأنوار فإنَّ النورَ تضَادُّه الظُلمةُ وتُعاقِبُه فتزيلُه، وتعالى الله أن يكونَ له ضِدٌ أو نِدٌ.اهـ نقله عنه البيهقي في الأسماء والصفات.

فالنورُ بمعنى الضوءِ هو شىءٌ مخلوقٌ لله تعالى كما قال تعالى: { وجَعلَ الظُلماتِ والنور } أي أنَّ اللهَ خلقَ الظلماتِ والضوءَ، وخالقُ الشىء لا يشبهُه، فإذًا يستحيلُ أن يكونَ الإلهُ الخالقُ ضوءًا. ولا يجوز أن يُقالَ بأنّ اللهَ يُشَبِّهُ نفسَه بالضَوءِ. ولا أن يقالَ هو ضوءٌ أضاءَ السمواتِ والأرضَ. قال تعالى: { ليس كمثله شىء }. فمن اعتقدَ أن اللهَ ضوءٌ فهو غيرٌ عارف بربهِ وإنه كافرٌ به.

وأما معنى قوله تعالى: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } فقد أخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم والبيهقيُ في الأسماء والصفات من طريق عليّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: قوله تعالى {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قال: "هادي أهلِ السمواتِ والأرضَ" { مَثَلُ نُورِهِ } مَثَلُ هُداهُ في قلبِ المؤمنِ كما يكادُ الزيتُ الصافي يُضيءُ قبلَ أن تمسَّه النارُ فإذا مستهُ النارُ ازدادَ ضوءًا على ضوء، كذلك يكونُ قلبُ المؤمنِ يعملُ بالهدى قبلَ أن يأتِيَه العلمُ، فإذا أتاهُ العلمُ ازداد هدىً على هدىً ونورًا على نورٍ. اهـ

وقال بعضُ المفسرين: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي مُنَوِّرُهما بالشمسِ والقمرِ والنجومِ. اهـ

وقال بعضُهم: مدبِّرُ الأُمورِ في السمواتِ والأرضِ. اهـ

{مَثَلُ نُورِهِ} أي مثلُ نورِ هُدَاهُ في قلبِ المؤمنِ {كَمِشْكَاةٍ} المشكاة: كَوَّةُ البيتِ، أي الطاقةُ غيرُ النافذةِ، {فِيهَا مِصْبَاحٌ} وهو السراجُ أي الفتيلةُ الموقودةُ، {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} هِيَ الْقِنْدِيل {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا} أي كأنَّ الزجاجةَ لصفاءِ جوهرِها وذاتِها، ونورُ المصباحِ فيها {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} مضيءٌ متلألىءٌ وقَّادٌ شبيهٌ بالدُّرِّ في صفائِه وحُسْنِه {يُوقَدُ} المصباحُ {مِن} زيت {شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} كثيرةِ المنافعِ {زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} بل بينهما فلا يتمكنُ منها حَرٌ ولا بردٌ مُضِرَّانِ، هذه الشجرةُ ليستْ مما تطْلعُ عليها الشمسُ في وقت شُروقِها فقط أَو في وقت غروبها فقط، ولكنها شَرْقِيَّةٌ غرْبِيَّةٌ تُصِيبُها الشمسُ بالغَداة والعَشيَّة، فهو أَنْضَرُ لها وأَجودُ لزيتونها وزيتِها، {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} أي من صفائِه {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أي قبلَ أنْ تمسَّه النارُ، وإذا مسته النارُ أضاءَ إضاءةً بليغةً {نُّورٌ} به {عَلَى نُورٍ}، أي متضاعِف، فإن نورَ المصباحِ زادَ في إنارتِه صفاءُ الزيتِ وحُسنُ الزجاجة وضَبطُ المشكاةِ لأشعتِه. وهذا تشبيهٌ للإيمان الذي نورَ اللهُ به صدرَ المؤمنِ، {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ} لدينِ الإسلام {مَن يَشَاءُ} أي من يشاءُ اللهُ هدايتَه من عبادِه {وَيَضْرِبُ} يبين {اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} تقريبًا لأفهامهِم ليعتبروا فيؤمنوا {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ} ومنهُ ضرْبُ الأمثال. فعلمه تعالى محيطٌ بجميعِ الأشياء، فلتعلموا أنَّ ضربَه الأمثالَ، ضربُ من يعلمُ حقائقَ الأشياء وتفاصيلَها، وأنها مصلحةٌ للعباد، فليكنْ اشتغالُكُم بتدبرِها وتعقُّلِها، لا بالاعتراضِ عليها، ولا بمعارضتِها، فإنه يعلمُ وأنتم لا تعلمون.

والحمد لله ربِّ العالمين.

سني أهل السنة إيمان بالله عقيدة إسلامية تفسير قرآن حديث نبوي دروس دينية إسلامية دروس صوتية إيمان بالله تفسير تفسير آية 3 سورة اﻷنعام تفسير الرحمن على العرش استوى تفسير فخر الدين الرازي ثقافة إسلامية حديث دروس دينية إسلامية قرآن