تفسير سورة البقرة من آية 28 إلى 29

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

من تفسير الإمام النسفي (ت 710 هـ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل:

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} مَعنى الهمزةِ التي في "كَيفَ" مِثلُه في قولِك : أتَكفُرُونَ بالله ومعَكُم مَا يَصرِف عن الكُفرِ ويَدعُو إلى الإيمانِ وهو الإنكَارُ والتّعَجُّبُ ، ونَظِيرُه قَولُكَ : أَتَطِيرُ بغَيرِ جَنَاحٍ وكَيفَ تَطِيرُ بغَيرِ جَنَاح، والواوُ في {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} نُطَفًا في أَصْلَابِ آبَائِكُم. والأمواتُ جَمعُ مَيْتٍ ، ويُقَالُ لِعَادِم الحيَاةِ أَصْلًا مَيْتٌ أيضًا كقولِه تَعالى : { بَلْدَةً مَّيْتًا }

{فَأَحْيَاكُمْ} في الأرحَام

{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عندَ انقِضَاءِ آجَالِكُم

{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} للبَعْثِ

{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} تَصِيرُونَ إلى الجَزاءِ ، أو ثُم يُحيِيْكُم في قُبُورِكُم ثم إليهِ تُرجَعُونَ لِلنُّشُورِ.

وإنّما أُنكِرَ اجتِمَاعُ الكُفرِ معَ القِصَّةِ التي ذَكَرَها لأنّها مُشتَمِلَةٌ على آياتٍ بَيّنَاتٍ تَصْرِفُهُم على الكُفرِ ، ولأنّها تَشتَمِلُ على نِعَمٍ جِسَامٍ حَقُّها أنْ تُشكَرَ ولا تُكْفَرَ.

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} أي لأَجْلِكُم ولانتِفَاعِكُم بهِ في دُنيَاكُم ودِيْنِكُم.

أمّا الأوّلُ فظَاهِرٌ ، وأمّا الثّاني فالنَّظَرُ فيهِ ومَا فِيهِ مِنَ العَجَائِبِ الدّالّةِ على صَانِعٍ قَادِرٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ، ومَا فيهِ مِنَ التّذكِيرِ بالآخِرَةِ لأنّ مَلاذَّهَا تُذكِّرُ ثَوابَها ومَكَارِهَهَا تُذَكِّرُ عِقَابَها. (هَذه الدُّنيَا دَلائِلُ على وُجُودِ خَالقِها وعلى وجُودِ الآخِرَةِ لأنّنَا نَرَى الدُّنيَا تتَبَدَّلُ أحوَالُها، النّباتُ بَعدَما كانَ غَضًّا طَريًّا خَضِرًا يَعُودُ يَابِسًا فيَتَكَسَّرُ، هَذا فيهِ دِلالَةٌ على الآخِرَة ، يعني بالجُملَةِ الأخِيرَة أنّ الدُّنيَا فيها مَلاذُّ خَلقَهَا اللهُ فيها وخَلَقَ فِيها مَكَارِهَ لِيَكُونَ ذلكَ دِلالَةً على أنّ بَعْدَ هَذه الدُّنيا أشيَاءَ مَلَاذَّ وأَشيَاءَ مَكارِهَ، الجنّةُ فِيهَا مَلاذُّ وجهَنَّمُ فيها مَكَارِهُ ، العِقَابُ فيهِ مَكَارِه)

(ويُفهَمُ مِنَ الآيةِ أنّ اللهَ خَلَقَ الأرضَ قَبلَ السّمَاواتِ ثم اللهُ تَعالى بَعدَما خَلَقَ السّماءَ دَحَى الأرضَ دَحَاهَا مَعناهُ جعَلَها بحيثُ تَصلُحُ للسُّكنى أَجْرَى فِيهَا الأنهارَ وأَجْرَى فيهَا الطّرُقَ التي تَصلُح للسّلُوكِ وأَجْرَى فيها اليَنابِيعَ، دَحَاهَا معنَاهُ وَسَّعَها بحَيثُ تَصلُح للسُّكْنَى، أوّلَ ما خُلِقَت ما كانَت بهيئةٍ تَصْلُح للسُّكْنَى، يَومَ القِيامَةِ بَعدَما يَخرُج البشَرُ مِنها، بَعدَما تَنشَقُّ القبُورُ وتَعودُ الأرواحُ إلى أجسَادِها الجدِيدةِ يُفْصَلُون مِن الأرضِ إلى ظُلْمةٍ عندَ الصّراط فينفَصِلُونَ عن الأرضِ تلكَ السّاعةَ فتُدَكُّ الأرضُ دَكًّا (أي تُحَطّمُ تحطيمًا) وتُبدَّلُ غيرَها، تُبدَّلُ غَيرَ الأرض، والسّماواتُ تِلكَ السّاعةَ تُبَدَّل تتَشقَّقُ وتَنهار وتُبَدَّلُ غَيرَها، فتكونُ الأرضُ في ذلكَ اليوم بَعدَ التّبديلِ كالأدِيْم الممدُود ليسَ فيها جِبَالٌ ولا وِدْيَانٌ أمّا الآنَ فالأرضُ كُرَويّةُ الشَّكْلِ أي تُشبِهُ الكُرَةَ، أمّا ذلكَ اليَوم فتَكونُ مُستَويةً ثمّ يُعادُونَ البَشرُ إليها فيُحَاسَبُون ثمّ يؤمَرُ بفَريقٍ مِن النَّاس إلى الجنَّة وبفَريقٍ إلى جَهنّم. وأمّا الحِسابُ فيَكونُ على الأرضِ المبَدَّلَة.)

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} (أي أَتْبَعَ ذَلكَ بخَلْقِ السّمَاءِ، أي خَلَقَ الأَرضَ ثمّ أَلْحَقَ السّمَاءَ بالأرضِ، وبَعضُهُم يَقُولُ: «استَوَى» قَصَدَ، لكنْ هَذه العبارةُ فِيها ما فِيها لأنّها تُوهِمُ أنّ مَشِيئَةَ اللهِ تَتجَدَّدُ وهَذا مَحظُورٌ بَاطِلٌ، مَشِيئَةُ اللهِ واحِدَةٌ أزَليّةٌ ليسَ لهُ مَشِيئَةٌ بعَدَدِ المخلُوقَاتِ. ثمّ بمعنى الواوِ مَعناهُ وأَرَادَ. ليسَ مَعناهُ حَصَلَت لهُ مَشِيئَةٌ جَدِيدَةٌ.)

(قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} يُقَالُ مَعنَاهُ أَوجَدَ السّماءَ بعدَ الأرض. ولا يُقَالُ عَمَدَ وقَصَدَ لأنّه يُوهِمُ حُدُوثَ مَشِيئَةِ الله، وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ المفَسّرينَ يَذكُرُونَ ذَلكَ. ثم استَوَى إلى السّمَاء مَعناه ثم أتْبَعَ ذلكَ بخَلْق السّمَاء خَلَقَ الأرضَ ثم أتْبَعَ الأرضَ أَلْحَقَ السَّمَاءَ بالأرضِ.)

وليُعلَم أن الاستواءَ في لغةِ العربِ له خمسة عشرَ معنًى كما قالَ الحافظُ أبو بكر بن العربيّ ومن معانيهِ: الاستقرارُ والتَّمامُ والاعتدَال والاستعلاءُ والعلوُّ والاستيلاءُ وغير ذلك، ثم هذه المعاني بعضُها تليقُ بالله وبعضُها لا تليقُ بالله. فما كان من صفات الأجسام فلا يليق بالله.

وفي كتاب المفردات في غريب القرءان للشيخ الراغب الأصفهاني ما نصه [واستوى يقال على وجهين: أحدهما: يسند إليه فاعلان فصاعدا نحو استوى زيد وعمرو في كذا أي تساويا قال تعالى {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ}. والثاني: أن يقال لاعتدال الشىء نحو قوله تعالى {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} ومتى عدي ب [على] اقتضى الاستيلاء كقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقيل معناه استوى له ما في السموات وما في الأرض أي استقام الكل على مراده بتسوية الله إياه كقوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ} وقيل معناه استوى كل شىء في النسبة إليه فلا شئ أقرب إليه من شئ إذ الله تعالى ليس كالأجسام الحالَّة في مكان دون مكان].اه

{فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} ومَعنى تَسوِيَتِهِنَّ تَعدِيلُ خَلْقِهِنَّ وتَقوِيمُه وإخْلاؤه مِنَ العِوَجِ والفُطُورِ (الفُطُورُ مَعنَاهُ التَّشَقُّقُ. السّمَاءُ لَيسَتْ مُشَقَّقَةً واللهُ تَعالى أَحْكَمَ صُنعَها لكنْ لها أبوَابٌ)، أو إتْمامُ خَلقِهِنَّ.

" وثُمّ " هُنَا لِبَيانِ فَضْلِ خَلقِ السّمَواتِ على خَلْقِ الأرض. (ثم اسْتَوَى إلى السّماءِ ليسَ مَعنَاهُ أنّهُ خَلَقَ الأرضَ ثمّ لم يَخلُقْ شَيئًا ثم خَلَقَ السّماءَ ولم يَخلُق بينَهُمَا شَيئًا لَيسَ هَذا المرادُ إنّما المرادُ بيَانُ أنّ السّماءَ أفضَلُ مِنَ الأرض)، ولا يُنَاقِضُ هَذا قَولَهُ {وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـاهَآ} لأنَّ جِرْمَ الأرضِ تقَدَّمَ خَلْقُه خَلْقَ السّمَاءِ وأمّا دَحْوُهَا فمُتَأخِّرٌ (دَحَاهَا مَعنَاهُ وَسَّعَها فأَخْرَج مِنهَا مَاءَها ومَرْعَاها وأَرْسَى فِيهَا الجِبَالَ وخَلَقَ سَائِرَ مَنافِعِها التي يَنتَفِعُ بها البَشَرُ.

وعن الحَسَنِ : خَلَقَ اللهُ الأرضَ في مَوضِعِ بَيتِ الْمَقدِسِ كَهَيئَةِ الفِهْرِ علَيهَا دُخَانٌ مُلتَزِقٌ بها (الفِهْرُ الحَجَرُ الذي هوَ بقَدْر مَا يُمسَكُ باليَدِ ، اللهُ خَلَقَ جُزءًا صَغِيرًا ثمّ مُدَّت ووُسِعَتْ مِن هَذا الفِهْر ، هَذا لم يَرِدْ مَرفُوعًا وإنّما هوَ مِن قَولِ الحسَنِ البِصرِيّ) ، ثم أَصْعَدَ الدُّخَانَ وخَلَقَ مِنهَا السّمَواتِ وأَمْسَكَ الفِهرَ في مَوضِعِهَا وبَسَطَ مِنهَا الأرضَ فذَلِكَ قَولُهُ تَعَالى : {كَانَتَا رَتْقًا} ، وهوَ الالتِزَاقُ

{وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} فمِنْ ثَمَّ خَلقَهُنَّ خَلْقًا مُستَوِيًا مُحكَمًا مِن غَيرِ تَفَاوُتٍ مع خَلْقِ مَا في الأرض على حَسَبِ حَاجَاتِ أَهلِها ومنَافعِهِم.

ولَمّا خَلَقَ اللهُ تَعالى الأرضَ أَسْكَنَ فِيهَا الجِنَّ وأَسْكَنَ في السّمَاءِ الملائِكَةَ فأَفْسَدَتِ الجِنُّ في الأرضِ فبَعَثَ إلَيهِم طَائفَةً مِنَ الملائِكَةِ فطَردَتْهُم إلى جَزائِر البِحَارِ ورُؤوسِ الجِبَالِ وأقَامُوا مَكَانَهم، (يَعني أنّ الملائِكَةَ أقَامُوا مَكَانَ أولئكَ الجِنّ الذينَ طُرِدُوا إلى جَزائِر البِحَارِ ورُؤوسِ الجِبَالِ، الملائكةُ حَلُّوا محَلَّهُم) فَأَمَرَ نَبِيَّهُ علَيهِ السّلامُ أنْ يَذكُرَ قِصَّتَهُم

« وَهُو » (ذلك هو هي وما أشبه ذلك يقرأ بتحريكِ الهاء ، أخواتُه معناه نظائرُه، مدني غير ورش، ورش قرأ وهْو بتسكينِ الهاءِ) وَأَخَوَاتُهُ مَدَنِيٌّ غَيْرَ وَرْشٍ، وَأَبُو عَمْرٍو وَعَلِيٌّ (أي الكسائيّ) جَعَلُوا الْوَاوَ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ عَضُدٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ فِي عَضُدٍ عَضْدٌ بِالسُّكُونِ.

سني أهل السنة دروس دينية إسلامية ثقافة إسلامية تفسير قرآن تفسير سورة البقرة تفسير النسفي منافقين منافق